أرقام العجز تضع الحكومة في الزاوية.. تفاقم المبادلات الخارجية يحرج السياسات الاقتصادية ويفتح سؤال الثقة في إدارة التوازنات الكبرى
رغم المؤشرات الظرفية التي توحي بانتعاش طفيف في الصادرات وارتفاع عائدات بعض الخدمات، تكشف حصيلة المبادلات الخارجية للمغرب برسم سنة 2024، عن واقع أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه الصورة الأولية، إذ تسجل المملكة عجزا تجاريا يتسع للسنة الثانية على التوالي، ووضعية استثمار دولي تُسجّل مديونية صافية مرتفعة، وكل ذلك في سياق دولي يتطلب مرونة قصوى وصلابة داخلية في آن واحد، وهو ما يضع علامات استفهام كبرى حول محدودية نجاعة السياسات التجارية والمالية المتبعة من طرف الحكومة.
ووفق البيانات الرسمية التي تحصّلت عليها "الصحيفة" من مكتب الصرف، فإن التوازنات الخارجية للمملكة تعيش تحت ضغط تصاعدي، إذ أكدت أن المبادلات التجارية واصلت نموها على مستوى الصادرات والواردات، إلا أن العجز التجاري استمر في التفاقم، فيما أظهر الحساب الجاري هشاشة بنيوية لا تخفى خلف الأرقام الإجمالية، كما سجلت وضعية الاستثمار الدولي للمغرب مديونية صافية مرتفعة، وسط تغييرات منهجية شملت تصنيف وتقييم بعض المكونات الاستثمارية.
وفي التفاصيل، بلغت قيمة المعاملات التجارية المغربية خلال سنة 2024 ما مجموعه 1217.6 مليار درهم، مقارنة بـ1145.9 مليار درهم سنة 2023، مما يمثل ارتفاعا ملموسًا في حجم المبادلات، فيما ارتفعت الواردات إلى 761.3 مليار درهم بعدما سجلت 715.8 مليار درهم السنة الماضية، أي بنسبة نمو بلغت 6.4 في المئة.
وارتفعت الصادرات المغربية نجو الخارج بدورها إلى 456.3 مليار درهم بعدما كانت في حدود 430.2 مليار درهم، بنسبة زيادة ناهزت 6.1 في المئة، وهذا الارتفاع المتوازي لم ينعكس على العجز التجاري الذي استمر في الاتساع، حيث بلغ 304.9 مليار درهم، مقابل 285.5 مليار درهم سنة 2023، مسجلا زيادة بنسبة 6.8 في المئة.
وفي الوقت نفسه، حافظ معدل تغطية الصادرات للواردات على شبه استقرار، حيث بلغ 59.9 في المئة، مقارنة بـ60.1 في المئة السنة الماضية، ما يعني أن الاقتصاد الوطني لا يزال عاجزا عن تصحيح اختلاله الهيكلي في الميزان التجاري رغم التحسن النسبي في قيمة الصادرات.
على مستوى ميزان المدفوعات، أظهر الحساب الجاري تدهورًا إضافيًا، فقد سجل عجزا بلغ 18.5 مليار درهم، مقابل 15.5 مليار درهم في السنة الماضية، ويرتبط هذا العجز أساسا بتزايد عجز مبادلات السلع الذي بلغ 270.1 مليار درهم، إضافة إلى تزايد عجز بند الدخل الأولي الذي بلغ 23.7 مليار درهم، في المقابل، تم تسجيل فائض في بند الخدمات قدره 138.2 مليار درهم، وفائض آخر في بند الدخل الثانوي بلغ 137.1 مليار درهم.
تفصيلا، بلغت صادرات السلع 660.8 مليار درهم، بينما بلغت وارداتها 390.8 مليار درهم، أما على مستوى الخدمات، فقد بلغت صادراتها 279.9 مليار درهم مقابل واردات ناهزت 141.7 مليار درهم، بما يعكس أداء جيدا يعزى بالأساس إلى ارتفاع عائدات السياحة التي سجلت 112.5 مليار درهم، وكذا إلى انتعاش بعض فروع خدمات الأعمال وخدمات الاتصالات والمعلوميات.
وفي بند الدخل الأولي، سجلت تحويلات الاستثمارات نحو الخارج حجما ناهز 37.6 مليار درهم، منها 20.2 مليار درهم مرتبطة بالاستثمارات المباشرة، و5.9 مليار درهم تتعلق باستثمارات الحافظة، بينما لم تتجاوز إيرادات هذا البند 13.9 مليار درهم، أما الدخل الثانوي فقد سجل مداخيل بقيمة 144.2 مليار درهم، تتكون أساسا من تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، مقابل مصاريف بقيمة 7.1 مليار درهم فقط.
الحساب المالي بدوره أبرز أن الاستثمارات المباشرة للمغرب نحو الخارج سجلت صافي اقتناء بلغ 6.9 مليار درهم، في حين بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة نحو المغرب 16.3 مليار درهم، مما يعني عجزا صافيا في هذا البند قدره 9.4 مليار درهم، واستثمارات الحافظة سجلت فائضا قدره 978 مليون درهم، بينما سجلت الاستثمارات الأخرى فائضا بلغ 3.9 مليار درهم. وقد ارتفعت الأصول الاحتياطية للمغرب بما يناهز 5 مليارات درهم.
وقد بلغ صافي السهو والخطأ ما مجموعه 18.97 مليار درهم، وهو مؤشر يستحق الانتباه إذ يعكس حجم العمليات غير المفسرة بشكل مباشر في الميزان.
أما في ما يخص وضعية الاستثمار الدولي للمغرب، فقد اعتمد مكتب الصرف منهجية جديدة في التصنيف والتقييم، وذلك في إطار تفعيل المرحلة الثانية من برنامج التعاون مع منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ومن أبرز التغييرات التي اعتمدت تقييم حصص الملكية وأسهم صناديق الاستثمار بناء على نسب الرسملة في السوق، عوض الاعتماد على القيمة التاريخية، وإدماج العقارات ضمن أصول الاستثمارات المباشرة بناء على قيمتها السوقية المستمدة من معاملات الأرباح العقارية، كما جرى تصحيح تصنيف السلف والائتمانات التجارية، التي أصبحت تدخل ضمن أدوات الدين المرتبطة بالاستثمارات المباشرة، بعدما كانت تُدرج ضمن الاستثمارات الأخرى.
ووفق هذه المنهجية الجديدة، سجلت وضعية الاستثمار الدولي للمغرب رصيدا صافيا مدينا بلغ 683.2 مليار درهم في متم دجنبر 2024، مقارنة بـ672.3 مليار درهم في نهاية شتنبر من نفس السنة، نتيجة لارتفاع الخصوم المالية بقيمة 14.2 مليار درهم مقابل ارتفاع الأصول المالية بقيمة 3.3 مليار درهم فقط. وقد بلغت الاستثمارات المباشرة في المغرب 1.114 مليار درهم، في حين لم تتجاوز الاستثمارات المباشرة التي قام بها المغرب في الخارج 621.8 مليار درهم.
وتُظهر هذه الأرقام، أن المغرب لا يزال يعتمد بشكل كبير على تمويل خارجي لتغطية عجزه الجاري، سواء عبر استقطاب الاستثمارات الأجنبية أو عبر اللجوء إلى القروض الخارجية، كما أن طبيعة هذه الاستثمارات لا تعكس دائمًا تحسنًا في الإنتاجية أو دعما مباشرا للنمو الاقتصادي، وهو ما يجعل من الضروري توجيه جهود الدولة نحو تنمية القطاعات المصدّرة ذات القيمة المضافة العالية، وتشجيع الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
الحصيلة، التي قدمها مكتب الصرف تكشف إذن عن استمرار التوازنات الخارجية للمغرب تحت ضغط العجز التجاري والمديونية الصافية، وتفرض هذه المعطيات تسريع الإصلاحات الهيكلية في التجارة الخارجية، وتعزيز تنافسية المنتوج المغربي، وتنويع الشركاء الاقتصاديين، إضافة إلى ضرورة ربط تدفقات الاستثمار الأجنبي بمردودية حقيقية تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني.