رفض القضاء الفرنسي تسليم بوشوارب رجل بوتفليقة للسلطات الجزائريو يصُب زيت مزيد من التعقيد على نار العلاقات بين البلدين

 رفض القضاء الفرنسي تسليم بوشوارب رجل بوتفليقة للسلطات الجزائريو يصُب زيت مزيد من التعقيد على نار العلاقات بين البلدين
الصحيفة - خولة اجعيفري (الصورة للرئس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع الوزير الجزائري السابق عبد السلام بوشوارب)
السبت 22 مارس 2025 - 23:13

في خطوة جديدة من شأنها أن تؤجج التوتر المتصاعد القائم منذ أشهر بين الجزائر وفرنسا، رفض القضاء الفرنسي، تسليم الوزير الجزائري الأسبق عبد السلام بوشوارب، أحد أبرز رجالات نظام الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، والمطلوب من قبل القضاء الجزائري في قضايا فساد ثقيلة.

القرار الذي أصدرته غرفة التحقيق بمحكمة الاستئناف في إيكس أون بروفانس جنوب فرنسا، بُرر باعتبارات "إنسانية" تتعلق بالحالة الصحية لبوشوارب وسنه المتقدم (72 سنة)، غير أن خلفياته السياسية والدبلوماسية لا يمكن فصلها عن السياق المحتقن بين العاصمتين.

وحسب نص الحكم، فإن تسليم بوشوارب "قد يُخلف عواقب ذات خطورة استثنائية بسبب حالته الصحية وسنه"، لكن هذا التبرير لم يكن كافيًا لتهدئة غضب الجزائر، التي سارعت عبر وزارة خارجيتها إلى إصدار بيان شديد اللهجة، نددت فيه بـ"غياب تام للتعاون القضائي من طرف الحكومة الفرنسية"، رغم وجود ما وصفته بـ"عدد من الأدوات القانونية الثنائية والدولية التي تسمح بتفعيل التعاون القضائي وتسليم المطلوبين".

وتوعدت الجزائر نظيرتها الفرنسية، بـ"اللجوء إلى مسارات قانونية أخرى"، وهو ما يُفهم منه ضمنيًا أن القضية قد تتخذ أبعادًا دبلوماسية وربما قضائية على المستوى الأوروبي أو الدولي، خاصة في ظل إصرار الجزائر على استرداد عدد من رموز نظام بوتفليقة المتهمين من قبل النظام العسكري الحالي بالتورط في "قضايا فساد"، حيث لجأ العديد منهم إلى طلب اللجوء السياسي على الأراضي الفرنسية منذ اندلاع الحراك الشعبي في 2019.

وعبد السلام بوشوارب، المولود عام 1952، تقلد عدة مناصب حكومية، أبرزها وزارة الصناعة والمناجم ما بين 2014 و2017، خلال الفترة التي كان فيها عبد العزيز بوتفليقة يتهيأ لعهدته الرابعة، كما أن اسمه ارتبط بعدد من المشاريع الكبرى التي أُثيرت حولها الشبهات، كما ورد اسمه في "وثائق بنما" ضمن قائمة السياسيين المتورطين في إنشاء شركات "أوفشور" للتهرب من الضرائب.

وبهذا، فإن القضاء الجزائري أدانه غيابيًا في خمس قضايا فساد مختلفة، وصدر في حقه حكم بالسجن لمدة 100 سنة (20 سنة عن كل قضية)، بالإضافة إلى أوامر دولية بإلقاء القبض عليه، كانت الجزائر قد وجهتها إلى عدد من العواصم الأوروبية، على رأسها باريس.

من جهة ثانية، فإن القرار القضائي الفرنسي لم يأتِ في فراغ سياسي، إذ أنه يتزامن مع توتر حاد في العلاقات بين فرنسا والجزائر، بدأ يتصاعد منذ أن أعلنت باريس، في يوليوز الماضي، دعمها العلني لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء، وهو الموقف الذي شكل تحولًا واضحًا في موقف فرنسا التقليدي "الحيادي" من هذا النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، والذي تقوده الجزائر التي تعتبر القضية مسألة مبدأ وجوهرية في سياستها الخارجية، وترى في الموقف باريس العضو الدائم في مجلس الأمن انحيازًا واضحًا للرباط، ما دفعها إلى استدعاء سفيرها من باريس مؤقتًا، قبل أن تعود العلاقة بشكل حذر ومتوتر.

وزاد الطين بلة، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أكثر من مناسبة، أدلى بتصريحات وُصفت بـ"المستفزة" من قبل السلطات الجزائرية، خصوصًا حين شكك في وجود "أمة جزائرية قبل الاستعمار"، مما أعاد إلى السطح جراح الذاكرة الاستعمارية التي لم تندمل بعد، كما فجّرت مسألة رفض السلطات الجزائرية استقبال مواطنيها غير المرغوب فيهم بالأراضي الفرنسية أزمة غير مسبوقة لم تخمد نيرانها حتى الان.

وفي هذا السياق المحتقن، لا يمكن قراءة قرار محكمة إيكس أون بروفانس بمعزل عن الخلفية السياسية التي باتت تطغى على الملفات القضائية الثنائية، خصوصًا تلك التي تتعلق برموز النظام السابق الذين تطالب الجزائر بتسليمهم، بل إن باريس، بحسب عدد من المحللين، تستخدم هذه الأوراق كورقة ضغط في مواجهة نظام جزائري اختار التقارب بشكل لافت في الأشهر الأخيرة مع موسكو وبكين، وتراجع تعاونه الأمني والاستخباراتي مع باريس في ملفات عدة، أبرزها مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية.

وتقول الجزائر، إنها تسعى إلى طي صفحة الفساد السياسي بعد الحراك الشعبي، تعتبر تسليم المطلوبين الفارين في الخارج أولوية قصوى، وهو ما تعكسه كثافة المذكرات التي أصدرتها بحق رموز النظام السابق، من بينهم بوشوارب، لكن قرارات مثل قرار القضاء الفرنسي الأخير تطرح تساؤلات حول فعالية المساعي الجزائرية، ومدى استعداد الشركاء الأوروبيين للتعاون في هذا الملف.

في المقابل، يرى مراقبون أن القضاء الفرنسي مستقل، وأن قرار رفض التسليم استند إلى مبررات طبية وإنسانية، خاصة وأن بوشوارب يقيم في فرنسا منذ 2019، دون أن تتوفر الجزائر –وفق نفس المصادر– على "ضمانات كافية" بشأن ظروف سجنه المحتملة.

ولا يُستبعد أن تكون السلطات الفرنسية، وإن كانت لا تعلن ذلك صراحة، متوجسة من المآل الذي قد يلقاه الوزير السابق عبد السلام بوشوارب في حال تسليمه إلى الجزائر، خاصة في ظل السياق السياسي الداخلي المتسم بتضييق الخناق على بعض الأصوات، حتى ممن كانوا محسوبين على النظام.

ففرنسا، التي تستحضر جيدًا الانتقادات الدولية التي طالت الجزائر بشأن ظروف الاعتقال والمحاكمات التي اعتبرتها منظمات حقوقية "غير عادلة"، قد فضّلت أن تتحمل كلفة سياسية ودبلوماسية جديدة على أن تواجه مستقبلاً إحراجًا إنسانيًا أو حقوقيًا، في حال تدهور وضع بوشوارب داخل السجون الجزائرية.

وهذا التوجس الفرنسي يتغذى من سوابق قريبة، كقضية الروائي بوعلام صنصال، الذي وُوجه في بلاده بتهم "المساس بالثوابت" لمجرد مواقفه الفكرية، أو الروائي كمال داود الذي تعرض لحملة تشهير واسعة بعد مقالاته النقدية.

ومع أن بوشوارب، لا ينتمي إلى الحقل الثقافي أو المعارض، لكنه يظل من الشخصيات التي قد تتحول إلى ورقة محاكمة سياسية أكثر منها قضائية، وهو ما لا ترغب فرنسا أن تُحسب عليه، خاصة في ظل ضغوط متزايدة من منظمات فرنسية وأوروبية تدعو لاحترام مبدأ عدم تسليم الأفراد إذا كان ذلك قد يُعرضهم لسوء المعاملة أو المحاكمة غير العادلة.

وبالمجمل، فإن قضية بوشوارب تكشف هشاشة الثقة بين باريس والجزائر، وتؤكد أن التعاون القضائي لا يسعه أن ينفصل عن مسارات السياسة والدبلوماسية، وإن كانت تصر الجزائر على "احترام سيادتها القضائية"، فإن باريس تلوّح من جانبها بحقها في اتخاذ قرارات تراعي معاييرها القانونية الخاصة، بما فيها حقوق الإنسان والوضع الصحي للمطلوبين.

لماذا يجب أن نعامل الجزائر بالمثل؟

فجأة ودون مقدمات، ودون تفسير، ودون أسباب واضحة، قررت الجزائر، اعتبارَ نائب القنصل العام المغربي في هران "شخصا غير مرغوب فيه"، وإمهاله 48 ساعة لمغادرة البلاد. ولم تكلف الخارجية الجزائرية نفسها عناء تقديم أي ...

استطلاع رأي

بعد 15 شهرا من الحرب على غزة أدت إلى مقتل 46 ألفاً و913 شخصا، وإصابة 110 آلاف و750 من الفلسطينيين مع دمار شامل للقطاع.. هل تعتقد:

Loading...