منظومة التربية والتكوين.. شعارات الإصلاح وواقع الانحطاط"

تعتبر منظومة التربية والتكوين الأساس الذي يمكن أن يقوم عليه أي مشروع نهضوي تحديثي للمجتمع والدولة، تأسيسا وتطورا واستدامة. وهنا لا تكاد تجد من لا يشاركك هذا التصور أو هذه النظرة، حول أهمية التعليم والتربية في بناء نهضة الأمم. ولعله بالرجوع إلى مواقف المؤسسة الملكية في هذا الإطار نجد ما يؤكد على هذه الأهمية ضمن الفكر الملكي.
وهنا نشير إلى الخطاب الملكي المؤرخ في 8 أكتوبر 1999 بمناسبة افتتاح السنة التشريعية آنذاك، وخطاب العرش لسنة 2000، حيث عدت فيهما المؤسسة الملكية أن قضية التربية والتكوين، هي قضية ذات أهمية لدرجة صنفتها كثاني قضية وطنية بعد قضية الوحدة الترابية، كما اعتبرت بأن الأمية والجهل يشكلان أكبر خطر على المشروع التنموي المغربي، وأن فاعلية الفرد الإيجابية داخل المجتمع المحلي والوطني اقتصاديا وسلوكيا يُحدَدَان بشكل أكبر انطلاقًا من النموذج التربوي، وما يوفره من إمكانات للمبادرة والإبداع والتطوير في إدارة الثروات وفي خلقها...إلخ.
ولعله من الجدير التذكير بأن التعليم والمقصود هنا أساسا "التعليم العمومي" يشكل بالنسبة لفئات عريضة من المجتمع المغربي، الوسيلة الوحيدة الممكن من خلالها تغير واقعها الاجتماعي والاقتصادي، والسُلم الذي يُمكنها من خلاله الترقي اجتماعيا. إذن فمن شأن غياب نظام تعليمي فعال وملائم وذي جودة، أن يفاقم أوضاع تلك الفئات، أيْ المساهمة في إعادة إنتاج نفس الوضعيات وتوريثها بين الأجيال، كما يسهم ذلك في تأسيس نظام اجتماعي مغلق الطبقات أو لنقل بدرجة أكثر لطفا بأنه يسهم في المحافظة على نظام اجتماعي محدود الحركية بين الطبقات، نزولا وصعودا.
إن ضعف مساهمة النظام التعليمي كآلية من آليات الإدماج والترقي الاجتماعيين الفردي والجماعي، تم التعرض لها من قبل تقارير رسمية عدّة، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى تقرير الخمسينية والصادر سنة 2005، ثم أن تقرير لجنة النموذج التنموي، الصادر بعد ذلك التاريخ بما يقارب 15 سنة، أعاد التأكيد على نفس الانشغالات "أبريل 2021"، دون أن ننسى تقارير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ولا سيما تقريره الصادر سنة 2019 حول النموذج التنموي للمغرب.
وبالنظر إلى واقع الحال في بلاد المغرب، فهذا الواقع يشكل دلالة على وضع منظومتها التعليمية، ومنظومة القيم والتصورات الاجتماعية حول التَعلُم والتعليم والتكوين، فَجُل مظاهر إن لم نقل كل مظاهر التخلف والانحطاط الفكري والمادي والقيمي، يمكن إرجاعها إلى انحطاط وتأزم النظام التعليمي الوطني، الناتج بدوره عن تعدد مناهج ومقاربات مشاريع الإصلاح وتواليها، التي لا تكاد تزيد الطين إلا بلة.
فرغم توالي المشاريع والبرامج التي تحمل الإصلاح كشعار، لتأهيل منظومة التربية والتكوين، وما خصص لها من مجهودات مالية وبشرية، فيمكن الجزم بأن مآلها كان هو الفشل، بل الفشل الذريع، ودليل ذلك، جودة التلميذ والطالب. وهنا لا نستعمل مصطلح الجودة انطلاقا من المقاربة التي تقوم على تسليع التعليم والمواطن، وإنما الجودة بمفهومها الإنساني، جودة التلميذ والطالب تعليميا وثقافيا وسلوكيا، أي بناء مواطن مؤهل للاضطلاع بكل أدواره داخل المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.
وهنا، ولقياس حجم هذا الفشل، يمكن العودة إلى العديد من التقارير الوطنية "تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول البرنامج الاستعجالي، ماي 2018" والدولية "تقارير البنك الدُّوَليّ حول التعليم في منطقة مينا 2008 و2014" التي تؤكد أن تدبير هذا القطاع يعرف مستويات عالية من التقصير وسوء التدبير، فضلا عن التقارير التي تصنف منظومة التربية والتكوين بالمغرب ضمن المراتب المتأخرة، على غرار تقرير أمريكي "مؤشر insider monkey" صادر سنة 2024، الذي احتل المغرب فيه الرتبة 154 من أصل 208 بلد، وهذا يمنحنا مؤشرات لقياس مستويات الأزمة التي تعيشها منظومة التربية والتكوين بالمغرب.
ولكي نعرف حجم الأزمة والخلل بشكل أكثر وضوحا، يكفي أن نذكر بما ورد في البرنامج الحكومي لسنة 2021، ولا سيما تلك الأسطر التي تتحدث عن الخيارات الكبرى للإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، والمتمحورة حول ثالوث الصحة والتعليم والتشغيل "ص 21"، وتلك الطموحات "الأحلام" التي تضمنها نفس البرنامج، التي تتحدث عن السعي لتحسين تصنيف المغرب ضمن 60 بلد في مؤشر جودة التربية والتكوين"ص24"، هنايتضحلنابجلاءحجمالفرقبينالقدرةعلىرفعالشعاراتوالقدرةعلىكسبالتحديات.
ويمكن الاستشهاد بمؤشرات وتقارير أخرى على غرار مؤشر جودة التعليم الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس لسنة 2021، حين احتل المغرب الرتيبة 101 من أصل 140 دولة، في حين أن مؤشر المعرفة العالمي لسنة 2024 وضع المغرب في الرتبة 98 من أصل 141 دولة. إن جميع هذه التصنيفات توضح بما لا يدع مجالا للشك بأن قطاع التربية والتكوين بالمغرب يعرف وضعا حرجا، إن لم نقل حرجا للغاية.
ونكتفي بهذه المؤشرات التي تغنينا عن سرد مظاهر النقص والقصور والحرج الذي لا تكاد تخلو منها مؤسسة أو هيكل أو بنية من بنيات منظومة التربية والتعليم والتكوين، لنحاول الإجابة على السؤال الذي ومن المؤكد أنه يشغل بال جميع المهتمين بقضايا التربية والتكوين، في جميع أبعادها، ولا سيما البعد الشمولي باعتبار التعليم قضية أمة وشعب ووطن. والمتمثل في السبب وراء هذه المفارقة الغريبة والعجيبة في الحالة المغربية بين خطاب وشعارات الإصلاح، وواقع الأزمة إن لم نقل التأزيم؟
هذا السؤال قد لا تكون له إجابة واضحة أو إجابة واحدة، ولكني أزعم أن كل غيور على هذا الوطن يحمل تصورا ولو جزئيا عن بعض جوانب الإجابة تلك، التي قد يعتريها الخطأ كما يحتمل أن تعتريها الصحة، غير أن الصدق هو مدار الاحتمالين.
وهنا لا أقصد تلك الإجابة التقنية التي تهتم بمعالجة التدابير والإجراءات ذات الطابع المنهجي والبيداغوجي، أو التدابير ذات الطابع المالي والإداري، التي قد تجد لها مواضع أخرى للمناقشة والتحليل والمحاججة بين ذوي الاختصاص، وإنما أنا أزعم بكون المدخل الحقيقي للإجابة على هذا السؤال هو المدخل السياسي، المرتبط هو الأخر بسؤال محوري يتعلق بالمواطن "الفرد والجماعة" التي يراد لهذا الوطن أن يحض به أو نحض بها "الجماعة".
لا يكفي أن نقرأ الشعارات ونقارب الخطابات حول الإصلاح من منظور تقني فني، وإنما يجب تعميق السؤال لتحديد شكل الفرد الذي نريده أن يحي ويترعرع داخل حدود هذا الوطن. هل نحن نرغب في بناء إنسان فاعل مجتمعيا واقتصاديا، إنسان مكتمل النمو جسديا وفكريا وسياسيا، إنسان يلاحظ ويتأمل في محيطه ووضعه بمقاربة نقدية، إنسان يفكر ويبدع حلولا لمشاكلة ومشاكل مجتمعه، إنسان يمتلك مصيره بيده قادر على إدارة ومواجهة مختلف التحديات التي تواجهه، إنسان قادر على تغير وضعه إلى الأفضل. أم نريد إنسان فاقد لكل أنواع الوعي بذاته وبالآخرين وبالمجتمع، إنسان فاقد لكل ما يمكن أن يجعله مندمجا في محيطه الاجتماعي المحلي والوطني، إنسان انتظاري واتكالي على الآخرين، سواء أكان الآخرون أفرادا أو مؤسسات، إنسان يربط ويعلق إخفاقاته وفشله الحياتي على هذا الآخر.
اعتقد بأن الإجابة بدأت تتضح، لدرجة يمكن معها القول بأن مظاهر وجوانب المحدودية والقصور الذي تعبر عنها مختلف التقارير التي تناولت مسألة تشخيص واقع المنظومة الترابية، تشكل جوابا على السؤالين الأخيرين.
فنحن اليوم أمام مدرسة عمومية ومنظومة تربوية تنتج كافة أشكال ومظاهر الإعاقة الفكرية والمهنية والاجتماعية، أجيال من المغاربة لا يمتلكون القدرات الكافية والمهارات الفكرية والفنية التي تؤهلهم للانخراط والاندماج الاجتماعي، وكأن جهات ما أو نخب ما، لا تريد لهؤلاء المغاربة أن يكون جزء من المجتمع الفاعل والحي، بل إنها ترى أنه من الأفضل أن يضلوا على جانب المجتمع أو في ظله، ربما يُقبل بهم كمستهلكين أو كعناصر للإنتاج، ولكن بالقدر الذي يحافظ لهذه النخب على وضعها الاحتكاري لجل مقدرات الوطن السياسية والاقتصادية، بل حتى الثقافية والرمزية.
ومن أجل الاستدلال العملي يمكن القول بإن قراءة بسيطة لعمليات الإصلاح التي عرفها ويعرفها قطاع التربية والتكوين على الأقل في الثلاثين سنة الأخيرة، تثير تساؤلا مشروعا حول ما إذا كانت هذه الإصلاحات المتوالية، تهدف فعلا إلى الإصلاح، انطلاقا من مبدأ التكيف والتطوير، أم أنها تدخل في إطار استراتيجية أشمل من أجل خلق الارتباك وعدم الاستقرار ضمن مختلف بنيات المنظومة التربوية.
إن مجموع من البرامج والمشاريع الكبرى من قبيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين والبرنامج الاستعجالي والقانون الإطار ورؤية 2015-2030، وعدد من التدابير التنفيذية على غرار مبادرة جمعيات مدرسة النجاح، مدارس الريادة والتدابير ذات الأولوية لإصلاح المدرسة المغربية وغيرها من المبادرات. كلها توحي باحتمال وجود شيء من أمران، إما أن الأمر يتصل باستشعار الحكومات المتعاقبة بوجود ضغوط سواء محلية أو دولية من أجل الإصلاح والتغيير، الشيء الذي يقتضي منها الإعلان عن شيء جديد ومختلف، أو أن الأمر لا يعدوا أن يكون محاولات للتمويه بوجود مساعي للإصلاح، غير أن جوهر هذه التدابير تبطن خلاف ذلك.
إن معدل إقرار هذه السياسات أو هذه التدابير لا يكاد يفرق بينها السنتين أو ثلاث سنوات، فهل من مصلحة المنظومة التربوية وجود مثل هذه التغييرات المستمرة، وهل بنياتها الإدارية ومواردها البشرية قادرة على استيعابها وتنزيلها بالشكل السليم، هذا على افتراض حسن النيات. فمن شأن ذك ألا يساهم في منح الوقت الكافي لكل مبادرة إصلاحية أن تؤخذ كامل الوقت، هذا إذا افترضنا أن تلك المبادرات تم تأسيسها وفق منهج سليم.
وسرعة إقرار أو تعديل هذه البرامج والمشاريع جزئيا أو كليا، ينسجم مع ما يعرفه هذا القطاع من تغييرات سريعة للقائمين عليه، فيكفي أن نعلم بأن قطاع التعليم بمختلف تفريعاته "تعليم وتعليم عالي" شهد تعاقب 35 وزيرة ووزير خلال 63 سنة، وهو معدل لا يتناسب مع بلد لا زال يبحث عن كيفية إرساء نظام تعليمي فعال ومستدام.
هذا ما ينعكس على تدبير القطاع من تسرع وارتجالية، يكفي للتدليل عليها مثلا ما يشهده قطاع التعليم العالي من توالي الإصلاحات بشكل يكون متطابقا مع توالي الوزراء، ما يجعل الإصلاح رهين رؤية فردية للمسؤول، وأن المقاربة المؤسسية لإصلاح قطاع التعليم بشكل عام تظل غائبة.
وكدليل مادي على هذا الارتباك والارتجالية، يمكن الإشارة إلى إقرار نظام البكالوريوس في عهد الوزير أمزازي عوض نظام LMD، ليقوم الوزير الميراوي بإلغائه مباشرة بعد توليه حقيبة قطاع التعليم العالي سنة 2021، بحكم عدم استناد هذا النظام على مرجعية قانونية، وهذا الأخير قام بإصدار نظام أساسي خاص بالأستاذة الباحثين، جاء من ضمن مقتضياته اعتماد نظام اللائحة الوطنية للتوظيف في إطار منصب أستاذ محاضر وأستاذ التعليم العالي، غير أن من أول الإجراءات التي قام بها خلفه الوزير الميداوي هو إلغاء العمل بهذه اللائحة، قبل العمل بها والذي كان مقررا له بداية سنة 2025 "مرسوم رقم 2.24.1056".
وبالمحصلة، يمكن القول إن معضلة التعليم والتكوين بالمغرب، يؤشر بقوة إلى أن السياسات التعليمية، لا تعدُ أن تكون محاولة لجعل المنظومة التربوية تحت الضغط، وفي نفس الوقت خلق نوع من الحركية الإصلاحية المزيفة حول إمكانية انتظار شيء مختلف من هذا الإصلاح أو ذاك، بالتالي كسب المزيد من الوقت من أجل التفعيل وحصد النتائج، وفي نهاية المطاف، لا جديد يذكر، فقط القديم يعاد.
وفي قراءة ربما تحتمل قدار مقبولا من الصدقية، يمكن إرجاع هذا الواقع، إلى عدم قدرة المخيال الإصلاحي للقائمين على أمر هذا القطاع على مواكبة التطورات التي يعرفها المجال التربوي على المستوى الدولي، وعلى هذا تبقى كل الجهود المبذولة دون بلوغ السقف المطلوب، لمواكبة تلك التحولات.
غير أن هذه القراءة أيضا لا تعفي النخب السياسية والحكومية المتعاقبة من مسؤوليتها في عدم القدرة على تعيين واختيار الكفاءات التي يمكن لها أن تضطلع بصياغة مشروع إصلاحي حقيقي وطموح يرتقي بالمدرسة العمومية.
وبالمحصلة النهائية يمكن القول بأن هناك احتمالا قويا بوجود إرادة سياسية على مستوى ما، تعمل على تأزيم واقع المنظومة التربوية، باعتبار هذا الوضع يخدم مصالح بعض الفئات المستفيدة، وهي مستفيدة من هذا الوضع على عدة أوجه، يمكن استعراض بعضها على النحو التالي:
- مستفيدة من غياب المنافسة بين أبناء المدرسة العمومية وأبنائها المتحصلين على تعليم خاص، سواء ضمن بعثات التعليم الدولي "الفرنسية والأمريكية ..." أو ضمن مؤسسات التعليم الخاص الوطني.
- مستفيدة من ذاك المواطن التائه في أرض الله، الذي يجهل حقوقه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبذلك بقاؤه منزوا على هامش التفاعلات الاجتماعية والسياسية.
- مستفيدة انتخابيا، باعتبار هذا المواطن غير المؤهل من حيث الوعي السياسي الحقيقي، أكثر استعداد للقبول بالتبعية السياسية والانتخابية، تحت تأثير سلطة الأخر بالجاه والمال والمنصب.
- مستفيدة من يد عاملة رخيصة، التي قد لا تكون مؤهلة، ولكنها قابلة للتأهيل للمهام اليدوية والشاقة، لكن المهم هو أن تكون هذه اليد العاملة غير قادرة على الفعل الاجتماعي والحقوقي الواعي والمنظم، نتيجة عدم وعيها بحقوقها.
إن هذا الوضع، ومع مرور الزمن، ليس قادر فقط على إعادة إنتاج نفس الهشاشة التعليمية والاجتماعية من جيل لجيل، بل إنه لا زال يعيد انتاجها منذ عشرات السنوات، مما يسهم في خلق وتكريس تمثل اجتماعي يربط المدرسة العمومية بجميع صنوف الفشل والإخفاق الحياتي، يضاف إلى ما تعرضت وتتعرض له المثل التربوية "المدرسة والمدرس (معلم أو أستاذ أو فْقِيه بالمسيد)" من حط للكرامة باعتباره موضع سخرية وتحقير، ولا سيما عبر النكت، والأدهى من ذلك، عرضه بصورة غير لائقة ضمن عدد من البرامج التلفزيونية، في مقابل تشجيع قيم اللانضباط والتسيب والعنف، وذلك من منطلق الفتوة والقوة والتحدي، الذي يغري الشباب المراهق للتمثل به والاقتداء به.
ولطالما راودني الأمل في أن أجد ضمن أحد مشروعات التأهيل التربوي سواء الميثاق أو الرؤيا أو القانون الإطار، أو أي مستند أخر، أي مقتضى يحضر على وسائل الإعلام، والعمومية منها على الأقل عرض برامج هزلية أو فكاهية، تجعل من المدرسة أو المدرس ورجل التعليم موضعا للسخرية والتنكيت، لكن هذه المرجعيات لم تشر إلى ذلك، بل لم تثره كموضوع للنقاش على الأقل، ضمن النقاشات المفروض أن تنشغل بإعادة رسم القدوة لدى الناشئة، ولا سيما المعلم والأستاذ.
هذا الوضع يدفع بالعديد من أفراد الطبقة المتوسطة أو ما دون المتوسطة بقليل "هذا إن صح القول بوجود طبقة متوسطة بالمغرب"، إلى إبعاد أبنائها عن المدرسة العمومية، على الرغْم أنهم هم أو جلهم على الأقل نتاج لهذه المدرسة، وذلك من أجل تحسين شروط منافسة أبنائهم للولوج إلى معاهد أو مؤسسات تعليمية أرقى، ومنها إلى حيازة مؤهلات علمية ومعرفية ومهارات لغوية وقدرات حياتية، تجعلهم قادرين على مواجهة وكسب التحديات التي يعجز جل خريجي التعليم العمومي على مواجهتها. وذلك بالرغْم عما يتحملونه من تكاليف باهظة تزيد من حملهم الاقتصادي والاجتماعي، كما تزيد من احتمالية اندحارهم الاجتماعي في حالات معينة.
إذا نحن أمام منظومة تعليمية واجتماعية تعمل على إعادة إنتاج ذاتها، تسهر من خلالها الجهات والفئات المستفيدة على تحصين وتكريس هذا الوضع، في مقابل محاولات بعض الفئات "المتوسطة" لاقتحام أفاق جديدة أو على الأقل الحفاظ على موقعها، في حين تبقى أكثر الفئات الشعبية، تدور في نفس المتاهة، متاهة الفشل والإخفاق والأزمات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية.
ويكفيك أن تجول في ربوع هذا الوطن، لتلاحظ بما لا يدع مجالا للشك، كيف تعيش فئات اجتماعية عريضة ضمن المناطق الجبلية والريفية والصحراوية، أقصى صنوف التهميش والإقصاء، حتى إنك لا تكاد تعرفهم ولا يعرفونك، وكأنك اجتزت الزمن صوب عهود وعقود مضت، أطفال بعيون بريئة تبتسم، تلك الابتسامة التي تخفي آلام المستقبل المظلم، والذي تزداد ظلمته سوادا، مع غياب أي بارقة أمل، يمكن أن تدفعهم بعيدا عن براثن الجهل والأمية، نحوى آفاق المعرفة والتنمية، مثل أقرانهم، ممن أتاح لهم موقعهم الجغرافي أو إمكانيات ذويهم، الحصول على تعليم أفضل بشروط أفضل، ما يعنى فرص في الحياة أفضل.
إنا لهذا الوضع، تكلفة اقتصادية أكيدة، وربما تكون له أيضا تكلفة سياسية واجتماعية وأمنية في الأمد المنظور أو حتى البعيد، لكن يبدو أن هناك جهات على مستوى ما من النفوذ السياسي، تسعى إلى ضبط وتأطير أي تحول قد يهدد موقعها ومكاسبها، بغض النظر عما يمكن أن يشكله ذلك من نتائج وتبعات سياسية واجتماعية واقتصادية وتحديات أمنية للمجتمع والدولة.
إن الطموح لبناء مغرب قوي، قادر على أن يؤسس لنهضة حقيقية اقتصادية وثقافية واجتماعية وعلمية، بما يعزز الوضع الجيواستراتيجي للمغرب في محيطه الإقليمي والقاري والدولي، ولما لا استرجاع أمجاد الماضي بصيغة الحاضر، لن يكون ممكنا إلا إذا كانت تلك القوة ذاتية المنبع ومستقلة عن الفاعلين الدوليين، وتحقيقها لا بد وأن يرتكز على قوة كل فرد من مواطنيه، بأن يكون كل فرد قادرا على الانخراط والاندماج اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا في محيطة المحلي ومجتمعه الوطني. وأن يشكل قيمة مضافة لأسرته ومجتمعه ووطنه.
وتحقيق هذا الطموح يبقى رهين ليس فقط بوجود إرادة سياسية لدى الفاعلين في إحداث التغير المنشود، بقدر ما يرتبط بوجود نخب سياسية وإدارية تتوفر على الكفاءة، وقبل ذلك أن تتوفر على غيرة حقيقية ونكرات للذات أثناء إدارتها للشأن العام.
ولكن، هذا يبقى أمرا مستبعدا نظرا لكيفيات عمل النظام السياسي والحزبي المغربي وما يفرزه انتخابيا من قيادات مستهلكم، رغم كل محاولات إعادة التدوير سواء أكانت هذه لقيادات والوجوه سياسية حزبية أم "كفاءات" تكنقراطية. وبالتالي فالتغير المأمول، سيبقى مجرد آمال وطموحات لا تجد سبيلها للواقع، في ظل غياب حركات اجتماعية/سياسية واعية ومنظمة وهادئة، تقود العمل الجمعي بعيدا عن كل مظاهر الوصولية والانتهازية، وهو ما يبدو غير متاح، على الأقل في الأمد المنظور.